محمد بن جرير الطبري

568

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وإنما يعني جل ثناؤه بقوله : وقفينا من بعده بالرسل أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة لان كل من بعثه الله نبيا بعد موسى ( ص ) إلى زمان عيسى ابن مريم ، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها ، فلذلك قيل : وقفينا من بعده بالرسل يعني على منهاجه وشريعته ، والعمل بما كان يعمل به . القول في تأويل قوله تعالى : وآتينا عيسى ابن مريم البينات . يعني بقوله : وآتينا عيسى ابن مريم البينات أعطينا عيسى ابن مريم . ويعني بالبينات التي آتاه الله إياها ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته من إحياء الموتى وإبراء الأكمة ونحو ذلك من الآيات التي أبانت منزلته من الله ، ودلت على صدقه وصحة نبوته . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ثنا محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : وآتينا عيسى ابن مريم البينات أي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وأيدناه بروح القدس . أما معنى قوله : وأيدناه فإنه قويناه فأعناه ، كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير عن جويبر ، عن الضحاك : وأيدناه يقول : نصرناه . يقال منه : أيدك الله : أي قواك ، وهو رجل ذو أيد وذو آد ، يراد : ذو قوة . ومنه قول العجاج : من أن تبدلت بآدي آدا يعني بشبابي قوة المشيب . ومنه قول الآخر : إن القداح إذا اجتمعن فرامها * بالكسر ذو جلد وبطش أيد